الصفحة الأساسية > آباء الكمبيوتر > وادي السيليكون من الواحة الى الهلكون > الجزء الثالث: غزو العالم (٢٠٠٠ - ٢٠١٥)
الجزء الثالث: غزو العالم (٢٠٠٠ - ٢٠١٥)
بقلم
الجزء الثالث: غزو العالم (٢٠٠٠ - ٢٠١٥)
١- من البيانات الضخمة إلى الشقيق الأكبر
لتصفح ملايين الصفحات التي أصبحت متاحة على الشبكة، أضحت محركات البحث أداة لا غنى عنها. وتم تطويرها بنوع من البرامج أطلق عليه اسم «الزواحف» (crawlers) أو روبوتات الفهرسة. ويمكن لهذه البرامج قراءة نصوص باللغة الآدمية وتحويلها إلى رموز برمجية وبالوقت نفسه الصعود من رابط هايبرتكست إلى الرابط الذي يسبقه وهكذا من صفحة إلى صفحة وفهرسة البيانات. تتيح عملية الحصاد هذه تحميل نسخة محلية من المعلومات الموجودة على النسيج. ولكن حتى نهاية التسعينات ظل أداء هذه المحركات متواضعاً، فبعد تبويب صفحات النسيج، توجه المحركات الزوار إلى المواقع المطلوبة بواسطة كلمات مفاتيح يدخلها هؤلاء (مثل ليكوس وألتا فيستا) هذا إذا لم تكتف بلعب دور دليل عناوين عادي (مثل ياهو!). ولكن الشابين لاري بيج وسيرجي برين سيغيران المشهد كلياً.
كان الاثنان إبني أساتذة معلوماتية ورياضيات والتقيا حكماً في فرع العلوم المعلوماتية في ستانفورد لتحضير أطروحة الدكتوراه. ومن ضمن أبحاثهما، كان عليهما تطوير مكتبة رقمية. وقادهما البحث الممول حكومياً إلى مشروع وضع خريطة لنسيج العنكبوت بالاعتماد على البنية التحتية الهائلة لجامعة ستانفورد التي وضعت نصف سعة تدفق شبكتها في تصرفهما، فقاما بتخزين ٧٠ مليون صفحة لرسم هذه الخريطة.
كان سيرغي برين منبهراً بتداخل صفحات النسيج ببعضها حيث تعمل الروابط على شكل اقتباسات من منشورات علمية. ورويداً رويداً ظهر التقارب بين مكتبتهما الرقمية ومحرك بحث وكانت الفكرة ان يعيدا تكوين نظام اقتباسات المنشورات العلمية. فكلما ازداد عدد المؤلفين الذين يذكرون مقال ما كلما اعتُبر هذا المقال مهماً خاصة إذا ظهر الذكر في منشورات قيّمة. وكذلك إذا ازداد ذكر موقع معين على النسيج بواسطة روابط هايبرتكست يرتفع احتمال ان يكون هذا الموقع مناسباً. وأدى تبويب نتائج البحث اعتماداً على كلمات مفاتيح حسب هذا المفهوم (خلافاً لاعتماد عدد ظهور هذه الكلمات) إلى تغيير جذري في أداء محرك البحث. وأطلق برين وبيج على هذا الخوارزمي اسم «مرتبة الصفحات» (page rank). وقام ببرمجة الخوارزمي طالب ثالث من ستانفورد هو سكوت هسان وتم تثبيته في البداية في أجهزة الجامعة. وترك هسان المشروح عندما كان برين وبيج على وشك تأسيس شركتهما التي أطلقا عليها اسم «غوغل» ونقل محرك البحث إلى موقع خاص هو google.com.

- نسخة بيتا من محرك البحث غوغل ١٩٩٨
- (reddit)
وبمساعدة أهلهما وشبكة علاقات ستانفورد تمكنا من جمع مليون دولار وباشرا نشاطهما في مرأب في وادي السيليكون [1]. وبين أوائل المستثمرين في المشروع نجد آندي بيكتولشيم أحد مؤسسي شركة صن مايكروسيستمز وشخص يدعى جيف بيزوس. كانت البدايات صعبة، فلم تسجل غوغل اية أرباح واحتاجت إلى استثمارات إضافية كبيرة لمواجهة الارتفاع المدهش في الزيارات. حاول المؤسسان بيع فكرتهما إلى شركة إكسايت (من أهم محركات البحث في تلك الفترة) بمليون دولار لكن لم ينجحا. إلا ان الشركة تمكنت من الخروج سالمة من انفجار فقاعة إنترنت بفضل ما يقارب من ٢٥ مليون دولار حصلت عليها من المستثمرين المغامرين في آخر ١٩٩٩ ومنهم شركة سيكويا كاتال التي فرضت تعيين رئيس تنفيذي جديد ذي خبرة طويلة لإدارة الشركة.
بعد فترة من التردد، وافق سيرغي برين ولاري بيج على إدخال الإعلانات التجارية إلى نتائج البحث في المحرك وبذلك تكون الشركة قد كسرت النموذج السائد وبدأت تتقاضى من المعلنين مبلغاً عن كل نقرة على إعلاناتهم وذلك بوضع نوع من المزاد العلني مقتبسة هذه الفكرة من أحد المنافسين. أما الانشقاق الثاني الذي نفذته غوغل، فهو قرار حصاد بيانات المستخدمين مثل تاريخ تصفحهم وعناوين بريدهم للتمكن من تركيز الإعلانات حسب ذوقهم. وباستنساخ مفهوم الزواحف بدأت الشركة تسجيل النجاح تلو الآخر. وأطلقت بريدها الإلكتروني جي. ميل الذي كان في البداية خاضعاً للموافقة على طلب فتح حساب ثم أصبح منتشراً بشكل واسع لمجانيته ومساحة التخزين الكبيرة التي يوفرها. ولم يأتي هذا الكرم الحاتمي إلا بفضل المستثمرين وعائدات الإعلانات الموجهة.
وبدأت غوغل بشفط كل الكتب المنتشرة على الشبكة (غوغل بوكس) وكل الطرقات المنتشرة في المدن (غوغل مابس وستريت فيو) وكل الصور الجوية (غوغل إرث) لبناء أدوات موجهة للجمهور العريض. ثم انقضّت على يوتيوب وديب مايند وعدة شركات ناشئة أخرى لتغذية نموها من خلال الشراء. ومرة أخرى يتضح ان الآليات الاجتماعية الاقتصادية وسلسلة الابتكارات التي يمكن السيطرة عليها هي التي تفسر نجاح غوغل بدلاً من عبقرية مؤسسيها.

- إريك شميت مع لاري بيج وسيرجي برين ٢٠٠١
- (maxim)
في الفترة نفسها ظهر متحمس آخر لحزب الزواحف وجسد ظهور ما عُرف زوراً بالوب ٢٫٠ (web 2.0). فجاء مارك زوكربيرغ من بيئة ميسورة. فكان والده طبيب أسنان متحمساً لكل ما هو تكنولوجيا ودفعه ليتعلم المعلوماتية. وقدم له جهاز أتاري ودروس في لغة برمجة بايسيك وهو في العاشرة من عمره ثم وفّر له دروس خصوصية في البرمجة. التحق زوكروبرغ بمدرسة خاصة راقية تحضّر للدخول إلى أهم الجامعات الأميركية ثم التحق بجامعة هارفارد على خطى شقيقته. في الجامعة بدأ يجرب الزواحف بشفط موقع الجامعة الذي كان يحتوي على صور وهويات الطلاب. وبالاشتراك مع رفاق له فتح موقعاً مريباً اسمه فيسماش (facemash) يعرض بشكل عشوائي صورتين لطلاب أو طالبات ويطلب من الزائر أياً من الصورتين هي الأكثر جاذبية. فتم أغلاق الموقع بسرعة واستدعي زوكربيرغ إلى المجلس التأديبي في الجامعة.
يقال ان نجاح موقع زوكربيرغ دفع بالشقيقين وينكلفوس إلى الاتصال به ليساعدهما على تطوير موقع تواصل اجتماعي يعتمد على دليل طلاب الجامعة هو هارفارد كونيكشن. هذان الشقيقان التوأم سوف يصبحان مشهورين في وادي السيليكون بعد ان استثمرا في العملات الرقمية المبلغ الذي ربحاه جراء دعوى تقليد ضد فيسبوك متهمين زوكربيرغ بأنه لم ينفذ المهمة وقام بسرقة فكرتهما. والحال ان زوكربيرغ أطلق سنة ٢٠٠٤ موقعه الخاص بمساعدة عدد من أصدقائه وأطلق عليه اسم ذا فيسبوك (The Facebook). كان في البداية يشترط الحيازة على عنوان بريدي إلكتروني من جامعة راقية للاتصال به وانتشر بين الجامعات مثل النار في الهشيم. ولم يحد زوكربيرغ عن القاعدة فانتقل إلى وادي السيليكون حيث تبناه مطور برنامج المشاركة القديم نابستر [2]. وجاء شخص اسمه بيتر ثيل واستثمر نصف مليون دولار في شركة زوكربيرغ الناشئة.
لم يكن فيسبوك أول موقع تواصل اجتماعي ولا أفضلها، فلا شك ان بعض المستخدمين يذكرون ماي سبيس (My Space) كما ان العديد من المواقع انتشرت بين الجامعات الأميركية ومنها ستانفورد (وهارفارد إذا شملنا موقع الشقيقين وينكلفوس). ولكن زوكربيرغ قام بانقلاب فعلي بشفط عناوين بريد مئات الآلاف من المستخدمين الأوائل الذين اشتركوا في الموقع مما أتاح له الوصول إلى عناوين معارفهم وإغراقها بالدعوات للتسجيل في موقعه ودخول نادي المميزين الذي يملكون حساب فيسبوك. ورغم بعض الابتكارات في الموقع إلا ان زوكربيرغ لم يصل إلى موقعه الاحتكاري إلا لأنه لم يتورع عن تمويل بيانات مستخدميه وشراء أي شركة قد تنافسه مثل إنستاغرام وواتس آب.

- مارك زوكربيرغ ٢٠٠٥
- (New York Times)
أدى الانتشار الواسع لشبكة إنترنت وما عرف بالوب ٢ [3] إلى إنتاج كم هائل من البيانات التي أسالت لعاب كل الكائنات المفترسة. ويكفي سرقة هذه البيانات لإغراق المستخدمين بالإعلانات الموجهة وذلك بفضل زيادة فاحشة في الميزانيات الإعلانية لدى الشركات الكبيرة. وشكلت هذه الظاهرة نمواً اصطناعياً لاقتصاديات الغرب حيث بدأت النيوليبرالية تلهث وانخفض النمو الحقيقي المرتكز على الإنتاجية. وجاءت أزمة ٢٠٠٨ لتعمق هذه الظاهرة وبما أن مصائب قوم عند قوم فوائد، استفادت فيسبوك وغوغل من هذه الأزمة. فقد شكلت عائدات الإعلانات ٩٧ ٪ من عائدات شركة ميتا (مشغلة فيسبوك) التي بلغت ١٦٠ مليار دولار سنة ١٩٢٤ وبربح صاف بلغ ٦٥ مليار. وفي السنة نفسها بلغت عائدات شركة ألفابت (مشغلة غوغل) ٣٥٠ مليار دولار منها ١٠٠ مليار أرباح صافية. وأتت ثلاثة أرباع هذه العائدات من الإعلانات.
شكلت الصحافة أولى ضحايا هذا النموذج المتفلت من إي ضوابط قانونية وأخلاقية. فقد حرم نزوح المساحات الإعلانية إلى فيسبوك وغوغل الوسائط التقليدية من عائدات كانت تشكل أساس دخلها. وشهدت الصحافة وخاصة المحلية منها التي تشكل أحد أعمدة الديموقراطية إقفال آلاف الصحف حول العالم. ومن أجل تفادي هذا المصير عمدت الصحف الكبرى إلى بيع نفسها (وروحها) إلى رجال الأعمال الذين أخذوا بتمويل مؤسسات لا تجني الأرباح فقط لتلميع صورتهم ونشر الأفكار التي تدعم نظامهم الهدام.
لا يشكل حصاد البيانات الشخصية واستغلالها حكراً على شركات المعلوماتية الكبيرة (أي GAFAM وتعني غوغل وأبل وفيسبوك وأمازون ومايكروسوفت). فظهرت شركات كبيرة أخرى تتخصص في هذا النشاط المريب منها شركة أكسيكوم. وفي غفلة من الجمهور تقوم هذه الشركات بإنشاء ملفات دقيقة جداً عن أي شخص يمكن ان يكون هدفاً للشركات التجارية. وتحاول بعض السلطات الحكومية قوننة هذه الممارسات وتمكنت من إيقاف تبادل الملفات الموسيقية من خلال نابستر لكنها لم تتمكن من منع ممارسات سرقة البيانات الشخصية وفي بعض الحالات شجعتها.

- أحد مراكز بيانات غوغل
- (France Datacenter)
هذه القدرة الهائلة لجمع المعلومات الشخصية تستغلها الحكومات وأولها حكومة الولايات المتحدة. وضمن السياق التشريعي والسياسي الذي أعقب أحداث ١١ أيلول ٢٠٠١، وبحجة محاربة الإرهاب، بنت وكالة الأمن القومي (NSA) نظام تنصت وتجسس ضخم يتدخل في الشاردة والواردة في أمور الناس كما فضحه إدوارد سنودن. وتشارك كل شركات وادي السيليكون الكبيرة في هذا النظام.
ومع ان الإدارة الديموقراطية لبيل كلينتون ونائبه آل غور، الذي دخل إلى مجلس إدارة أبل في ما بعد، لعبت دوراً أساسياً في فتح شبكة إنترنت وخصخصتها، إلا ان إدارة جورج بوش الابن هي التي شكلت رأس حربة النظام الأمني. فقد باركت مؤسسة هوفر وشبكتها ترشيح بوش \ تشيني خلال اجتماع في سان فرانسيسكو سنة ٢٠٠٠. وبعد ١١ أيلول حاول لاري إليسون (أوراكل) إقناع واشنطن ببناء قاعدة بيانات ضخمة تحتوي تفييش جميع المواطنين. لم تعتمد الإدارة مشروع إلسون لكن شركته أوراكل ستحصل على العديد من العقود من وكالة الاستخبارات المركزية مما سيضاعف أرباحها ببضع سنوات. لاحقاً سيأتي دور بالانتير (Palantir) وشركات أخرى مولها بيتر ثيل للحصول على حصة الأسد من العقود الأمنية.

- ١٩٨٤ الأخ الأكبر يراقبك
- (ويكيبيديا)
في السبعينات من القرن الماضي، توجس الجمهور العريض من ظهور المعلوماتية التي ذكّرته برواية ١٩٨٤ وشاشة المراقبة. وقلبت أبل هذه الصورة في إعلان إطلاقها لماكنتوش الذي كان من المفترض ان يكون عكس الشقيق الأكبر المتحكم بالناس في رواية جورج أورويل. بعد عشرين سنة، نقش لاري بيج وسيرغي برين شعارهما «لا تفعل الشر» (Don’t do evil) على مجمّع غوغل قبيل دخول الشركة في البورصة. ولكن فعلياً أدى تعميم أبل وغوغل للهواتف «الذكية» وإنترنت ٢٫٠ إلى حلول «رأسمالية المراقبة» التي جاء الذكاء الاصطناعي ليطورها من خلال المراقبة بالصوت والصورة [4]. وفتحت هذه الأجهزة أسواق تسيّل لعاب غوغل وأقرانها والتي أضحت توفّر تلك المعدات لحكومات لا تتوقف عن تطوير أنظمتها القمعية. ولكن القمع والإعلانات وحروب الإبادة ليست المجالات الوحيدة التي تنتشر فيها أدوات المراقبة، فأماكن العمل كالمكاتب والورشات شكلت سوقاً إضافية ولم يتغلب أحد على شركة أمازون في وسائل مراقبة وقمع الموظفين.
٢- أمازون ومراكز البيانات: .تجسيد الرقمي
كان جيف بيزوس، وهو إبن لوالدين مهندسين، يتمتع بخبرة عشر سنوات في الحقل المالي وإدارة صناديق التحوط عندما أنشأ أمازون مع زوجته. وأعجب بنمو إنترنت فقرر ان يبني موقعاً تجارياً على الشبكة وقرر البدء ببيع الكتب لأسباب عملية وحسب. واستثمر والداه حوالي ٣٠٠ ألف دولار في الشركة التي بدأت نشاطها سنة ١٩٩٤. ولتحقيق فورات الحجم، استثمرت أمازون سريعاً في مستودعاتها الخاصة وشبكات توزيعها. وأتاح لها جمع الاستثمارات المتتالية السيطرة على المنافسة والتوسع من خلال شراء شركات أخرى قبل الدخول في البورصة سنة ١٩٩٧. المبالغ التي أتت من هذا الدخول والأرباح الأولى تم استثمارها كلها في زيادة البنى التحتية من أجل الوصول إلى حجم يتيح للشركة دخول أسواق جديدة (مثل الموسيقى وأفلام دي.في.دي ومواد استهلاكية أخرى). ومن أجل بناء نظامه اللوجستي، تمكن بيزوس من استدراج مسؤولين كبار من شركة وول مارت العملاقة التي ردت بدعوى تتهم بها أمازون بسرقة أسرارها الاقتصادية. كل هذه الاستثمارات لم تمنع إفلاس بعض قطاعات أمازون نتيجة انفجار فقاعة إنترنت ولكن عملية بيع سندات مشكوك فيها لمستثمرين أوروبيين سذّج مباشرة قبل الانفجار حالت دون سقوط الشركة.

- أحد مستودعات أمازون
- (Amusing Planet)
بعد مرور العاصفة، تابعت أمازون نموها وأتمت النموذج التي اعتمدته أي التوزيع من الألف إلى الياء من خلال مستودعاتها العملاقة التي تتيح نقل الطلبيات خلال ٢٤ ساعة إلى معظم الضواحي الغنية في المدن الأميركية. وجذب الاشتراك في أمازون برايم للتوصيل السريع حوالي ٨٠ ٪ من الأسر الأميركية التي يتعدى مدخولها متوسط الأجور أي ما يعادل عشرات الملايين من الزبائن الذين يدفعون ١٠٠ دولار سنوياً كبدل لهذا الاشتراك. وأصبح موقع أمازون ما يشبه الوجهة الإلزامية التي يمر عبرها حوالي ٣٠ ٪ من التجارة على الشبكة. وسمح هذا الموقع الاحتكاري للشركة بفرض أسعار مرتفعة على الزبائن وعمولات مرتفعة على الموردين.
كيف تمكن جيف بيزوس من بناء هذه الامبراطورية الاحتكارية؟ فمن المعروف أنه رئيس قاس والبعض شبّه ضحكه «كتقاطع بين فيل مهتاج ومنشار كسر» وهو مهووس بالتحسين. ويخضع موظفو مراكز معالجة الطلبيات لوتيرة جهنمية يتم ضبطها من خلال بيانات مجمّعة من عدد مذهل من أجهزة التحسس المحسنة بواسطة الذكاء الاصطناعي والخاضعة لنظام أوامر صوتية. ويتيح الاعتماد المتزايد على الأتمتة بتسريع وتيرة العمل ويفرض على الموظفين الخضوع لهذه الوتيرة. وصرح بعضهم أنه يشعر في آخر النهار كالعبيد الذين عملوا في حقول القطن أيام العبودية. والنتيجة ان نسبة حوادث العمل تخطت النسبة المسجلة في هذا القطاع بحوالي ٤٥ ٪ وتخطى دوران الموظفين الـ١٥٠ ٪ مما يعني انه يتم استبدال جميع الموظفين كل ثمانية أشهر. ووضعت الشركة أيضاً تكتيكات وحشية وغير قانونية تعتمد المراقبة الإلكترونية لمنع تكوين النقابات في مراكز المعالجة. كل شيء في الشركة كان «محسناً»، فالتوظيف والصرف يتمان بشكل آلي (لا مشكلة في الأخطاء التي تحصل لأنها كانت تعوّض من خلال التوفير الناتج عن إلغاء أي تدخل من الإنسان). ويتم توظيف سائقي الشاحنات من خلال منصة تلزيم تجنب أمازون أي مسؤولية عن الحوادث العديدة التي تحصل. وفرضت وتيرة العمل المرتفعة مثلاً على السائقين التبول في زجاجات من البلاستيك لاحترام توقيت التسليم وإلا فكان السائق يحاسب على التأخير. والشيء نفسه يحصل في مراكز معالجة الطلبيات. ولعل أفضل تجسيد لهذا الوضع جاء في فيلم «آسف لقد افتقدناك» للمخرج كين لوتش الذي عرض سنة ٢٠١٩.
ووضع كوادر الشركة ليس أفضل بكثير من وضع العمال فنسبة دورانهم لا تقل بكثير عن نسبة العمال ونسبة الإرهاق تحطم كل الأرقام القياسية. بالتالي، لا يأتي نجاح أمازون من الابتكارات التكنولوجية بل من استغلال موظفيها حتى العظم تماماً كما استغل ليلاند ستانفورد خيله سنة ١٨٨٠ وتسبب ستيف جوبز بموجة انتحارات لدى متعهدي أبل.
رغم الكلفة البشرية الهائلة، يبقى هامش الربح للتجارة عبر الشبكة متواضعاً. فالمصدر الأساسي للربح في أمازون يأتي من نشاط آخر يعتمد على البنى التحتية المادية. ولم يكتشف جيف بيزوس هذا الكنز إلا بالصدفة. فلتشغيل موقع ضخم على الشبكة والمنصة اللوجستية التي تدعمه، استثمرت أمازون في بداية الألفية الثالثة في بنى تحتية معلوماتية مهمة. واضطرت لفتح هذه البنى لعدد من مورديها لكي تدمجهم في نظام توزيعها. حينها اكتشفت أمازون قابلية الشركات لخدماتها السحابية (cloud computing) المعتمدة على مراكز بيانات ضخمة. وسمح تلزيم البنى التحتية المعلوماتية (إضافة مواقع، تأجير خوادم، إدارة بيانات، إمكانات حسابية) بتصدير الكلفة المرتبطة بالنشاطات الرقمية وتجنيب الشركات المتوسطة والصغيرة عناء بناء إمكاناتها المعلوماتية الذاتية. وفتحت أمازون تدريجياً هذه الخدمة لكافة الشركات وصرفت مليارات الدولارات لبناء البنية التحتية الضرورية. وتصدرت الشركة الفرعية التي سمتها أمازون إيه.دبليو.إس (AWS - Amazon Web Service) والتي تتكفل بتقديم هذه الخدمة موقع الريادة في هذا المجال بتحقيق وفرات حجم مهمة.
وفي سنة ٢٠٢٤، جاء نصف الـ٦٠ مليار دولار من أرباح أمازون من الشركة الفرعية التي بلغت إيراداتها ١٠٠ مليار دولار «فقط» من الإيرادات الإجمالية للشركة والتي بلغت ٦٤٠ مليار دولار. وسمح هذا النجاح لأمازون ومنافستيها الأساسيتين (مايكروسوفت أزور وغوغل كلاود) باحتلال موقع متقدم للاستفادة من ظهور الذكاء الاصطناعي المعروف بنهمه لمراكز البيانات الضخمة. ولكن في السنوات العشرين الأولى من القرن الحالي، لم يكن هذا الاكتشاف الآتي من الصدفة تحصيلاً حاصلاً. فالاتجاه العام تركز على تجريد العمل من طابعه الدائم من خلال رأسمالية المنصات التي حمل لواءها من سيعطي اسمه لهذه الظاهرة.
٣- من الأوبرة إلى القذرنة: رأسمالية المنصات
منذ بيعهم شركتهم الناشئة [5] ببضعة ملايين من الدولارات، أمضى ترافيس كالانيك وغاريت كامب وقتهما بمصاحبة مستثمري التكنولوجيا للبحث على فرص استثمار جديدة. ولما داقا ذرعاً بأسعار سيارات الأجرة للتنقل، فكّر كامب بخدمة تواصل سائقين خصوصيين بين بعضهم وتقاسم الزبائن. فطور مسودة تطبيق وأقنع كالانيك الذي يوصف انه شخص أبله يتميز بغرور لا متناهي بمساعدته لتوظيف شخص يدير شركة ينوي إطلاقها. ولم يكن الصديقان ينويان الانخراط بشكل دائم في المشروع على ما صرح كالانيك: «لا أريد إدارة شركة سيارات أجرة ليموزين، أريد فقط سيارة تقودني إلى حيث أتوجه. نبحث عن شخص يقبل بالسكن في سان فرانسيسكو وإدارة المشروع لكي يتمكن غاريت من التبختر في المدينة مثل القوّاد». فظهرت شركة أوبركاب سنة ٢٠١٠ وتوجهت في البداية إلى أصدقاء الشريكين وهم من المستثمرين الشباب والكوادر العليا في وادي السيليكون. وكان شعار الشركة «أفضل من سيارة أجرة وأرخص من سيارة ليموزين».
ولكن بمفهوم مختلف تماماً، قام لوغان غرين وجون زيمر بتأسيس شركة ليفت (Lyft) سنة ٢٠١٢. نشأ غرين في لوس انجليس المعروفة بازدحام مرورها الذي لا ينتهي. وخلال سفره إلى زيمبابوي، اكتشف نظام سيارات الأجرة الجماعية الذي نعرفه في بلادنا منذ الأذل (السيرفيس). فبدلاً من نقل زبون واحد في كل مرة، تنقل السيارة عدة ركاب بشكل متواصل بين الذين ينزلون والذين يصعدون مما يخفض بشكل كبير أجرة النقل. من جهته كان جون زيمر قد أسس شركة تساعد على مشاركة السيارات في ٢٠٠٧، بعد ان كان يواجه صعوبات كبيرة في العثور على من ينقله بين لوس انجليس وسانتا بربارة عندما كان طالباً. وبإطلاق شركة ليفت كان الشريكان يأملان باستخدام الوظائف التي توفرها الهواتف الذكية لإعادة تطوير ما تفعله سيارات الأجرة الأفريقية والطلاب الكالفورنيين أي خليط من السيرفيس ومشاركة السيارات والاستيقاف (hitchhiking).

- سيارة ليفت
- ( New York Times)
ورغم انطلاقة مختلفة جذرياً بينهما، توجه أوبر وليفت نحو النموذج الاقتصادي نفسه وهو خدمة سيارات توصيل بأسعار مخفضة. وكانت ليفت الرائدة في توظيف سائقين لا يملكون أي رخصة مهنية للنقل العام. وعندما تيقنت أوبر بأن السلطات غضت الطرف عن هذا الخرق للقوانين، قرر كالانيك التخلي عن نموذج نقل النخبة من أصدقائه ليغزو «كارتل سيارات النقل العام». وكان رئيس أوبر التنفيذي يتميز بنقطتي قوة: احتقار تام للقوانين وللسلطات المحلية وقدرة مدهشة على جلب الاستثمارات. ولا يهم إذا كانت أول شركة ناشئة لرئيس أوبر، وهي خدمة تبادل ملفات مشكوك في قانونيتها، لم تسجل أي مدخول ولم تفيد الشركة التي اشترتها سنة ٢٠٠٩. كذلك لا يهم إذا اتضح ان محرك البحث العشوائي الذي أسسه غاريت كامب وباعه لشركة إي. باي كان مشروعاً مزيفاً. فالمهم من وجهة نظر الرأسماليين الداعمين ان الرجلان أثريا المستثمرين. ومع أوبر سيغرق الرجلان في الرساميل.
وكان ابتكارهما الأساسي السماح بطلب سيارة أجرة بواسطة الهاتف الذكي من خلال تحديد الموقع الجغرافي للطالب. وتم تسهيل إدارة المعاملة والدفع من الجهتين أي السائق والزبون. ولكن ليس هذا الابتكار هو الذي جعل الأسعار أرخص من سيارات الأجرة القانونية، فأظهرت بعض الدراسات ان كلفة تشغيل أوبر أعلى من كلفة مكتب سيارات أجرة تقليدي. فمن المعروف ان هذا الأخير يقوم بتجميع العديد من مصادر الكلفة مثل شراء المحروقات بسعر الجملة وصيانة السيارات والضمان الصحي والاجتماعي للسائقين وبوليصات تأمين السيارات. بينما يعمل سائق أوبر لحسابه الخاص وبالتالي يتكفل بكل تلك المصاريف وفوقها استيعاب التكاليف الثابتة للشركة الأم [6]. إضافة إلى ذلك لم يظهر ان فعالية التطبيق في التعامل مع الزبائن أفضل بشكل ملحوظ من نظام تخصيص السيارات في شركة سيارات أجرة تقليدية. وفي المدن ذات الكثافة السكانية المرتفعة (نيو يورك، شيكاغو، لندن، باريس، ...) لا تتخطى فترة انتظار سيارة أجرة تقليدية إلا نادراً مقارنة بفترة انتظار سيارة أوبر. ولم تتأخر مكاتب سيارات الأجرة التقليدية من تبني تطبيقات مشابهة لتطبيق أوبر لمواجهة المنافسة التي تشكلها هذه الأخيرة. فمن الواضح ان أوبر لم تفرض نفسها على النقل بالأجرة بفضل التكنولوجيا.
من المعروف ان سيارات الأجرة التقليدية (الرسمية) منظمة بشكل صارم لأسباب تاريخية وهي السماح للسائقين بمستوى لائق في كسب رزقهم وتجنب ازدحام المدن في حال كثُر العرض. ولكسر هذا الاحتكار، أغرقت أوبر المدن بالسيارات لخفض أسعار النقل بتجاهل كامل للقوانين التي تنظم النقل العام. وللوصول إلى هذا الهدف اعتمدت أوبر تكتيكات تم الكشف عنها في ما يعرف بملفات أوبر وفي تحقيقات صحافية أخرى: استخدام مفرط لوسائل الضغط (لوبيات) ونشر دراسات اقتصادية مزورة لإقناع السياسيين والإعلام بميزات نموذجها في إتاحة فرص العمل وتحسين النقل العام في المدن وإرادة واضحة في خرق القوانين لاختبار مدى رد فعل السلطات المحلية وتجاهل التنبيهات ووضع أنظمة برمجية تخدع السلطات المحلية وتتهرب من مراقبة الشركة ووعود كاذبة لتجنيد سائقي سيارات أجرة. وحسب مقولة «تحرك بسرعة واكسر الأشياء» (Move fast and break things)، تقتحم أوبر مدينة ما دون أعلام السلطات المحلية، وتنتظر حتى تقوم هذه السلطات بإصدار قوانين لمحاولة احتواء الفوضى التي خلفها هذا الاقتحام ثم تتجاهل القوانين الجديدة وتبدأ بالضغط على المشرّعين لتعديل القوانين لصالحها. ولكن الأخطر ان هذه الشركة تمارس المنافسة غير المشروعة بدعم التنقلات مالياً بشكل كبير. وفي سنة ٢٠١٧، كان السعر الذي يدفعه الزبون لا يغطي أكثر من ٥٠ ٪ من كلفة النقل الحقيقية. والحال ان البيع بخسارة والزعم بأن السعر المنخفض ناتج من ابتكارات تكنولوجية يتيح القضاء على المنافسة بتدمير مستوى العيش والتوظيف لدى سائقي النقل الشرعيين. وأدى هذا الهجوم المنظم إلى موجات من الانتحار والعنف وإفلاس العديد من السائقين الذي اقترضوا لشراء رخصهم أو الاعتماد على بيع تلك الرخص لتأمين شيخوختهم.

- احتجاجات ضد أوبر في بلجيكا
- (Politico)
وحده تدفق الرساميل المستمر يمكنه إتاحة المجال لأوبر ان تستمر في حرب الأسعار التي تتبعها وتوسيع عملياتها لتشمل العالم كله. وبالرغم من الخسائر الفادحة التي تكبدتها، تابعت الشركة الناشئة اجتذاب الاستثمارات والمستثمرين الذين أتو حتى من روسيا ومشيخات الخليج. واستفادت أوبر أيضاً من الدعم الحكومي بشكل غير مباشر كون الرأسمال المغامر في كالفورنيا يتمتع بإعفاءات ضريبية لا يستهان بها.
تم ابتلاع اكثر من ٣٣ مليار دولار قبل ان تحقق الشركة أول أرباحها. ولم تأتي الأرباح الأولى من وفورات الحجم بل من الرفع المتدرج لأسعار النقل والخفض المتوحش لأجور السائقين. وبحسب مصرف جي.بي. مورغان انخفضت أجورهم إلى النصف بين ٢٠١٣ و٢٠١٧. وبيّنت دراسة أخرى ان ٩٣ ٪ من العاملين في الولايات المتحدة يربحون أكثر من سائق في أوبر. مذاك، وضعت الشركة نظاماً ديناميكياً لتحديد الأسعار يعتمد على تفاصيل السائقين والزبائن. وباستغلال الكم الهائل من البيانات التي جمعها التطبيق، يتمكن من زيادة السعر على الزبائن المحتمل قبولهم بتسعيرات مرتفعة وخفض أجر سائق مطيع لا يرفع الصوت. وهي وسيلة إضافية لعصر الأجور وبنفس الوقت رفع تكلفة النقل. وفي الولايات المتحدة منذ ٢٠١٨، رفعت أوبر أسعارها بمقدار أربعة أضعاف مستوى التضخم وكل ذلك مقابل أرباح خجولة للمستثمرين لأن أرباح أوبر لا تزال أقل من الخسائر المتكبدة خلال السنوات الثلاث عشرة من حياتها.
كان من المفترض ان تؤدي تكنولوجيا أوبر إلى زيادة في التوظف وانخفاض في ازدحام السير وانبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري وذلك بخفض عدد السيارات على الطرقات بحسب جماعات الضغط التابعة للشركة. في الحقيقة، أظهرت دراسات عديدة ان أوبر ضاعف من عدد الكيلومترات المقطوعة وعدد السيارات على الطرقات وانبعاث ثاني أوكسيد الكربون وازدحام السير. وأما مستخدمي أوبر فهم في أكثريتهم من كانوا قد استقلوا وسائل النقل العام أو الدراجة الهوائية أو المشي لولا وجود الشركة. ومن بينهم ٥ ٪ لم يكونوا قد تنقلوا في الأساس حسب دراسة حول مدينة بوسطن في الولايات المتحدة.
ويأتي نجاح أوبر من قدرتها على زيادة طلب النقل في السيارات السياحية مع سائق مخصص على حساب وسائل نقل أقل تلويثاً وفي الوقت نفسه خفض إنتاجية قطاع النقل. وحسب الخبير الاقتصادي آرون بناناف فالسائقون «المؤوبرون» تمكنوا من زيادة الطلب على خدماتهم بخفض أجورهم دون ان يؤدي ذلك إلى زيادة الإنتاجية أو المساهمة في تحسين الاقتصاد. هكذا تكون أوبر قد وضعت نموذج استغلال العمالة عُرف بمفهوم «الأوبرة» (ubérisation بالفرنسية أو gig workers بالإنكليزية والذي ينطبق أيضاً على سائقي أمازون) والذي تم استنساخه من قبل العديد من الشركات في قطاع الخدمات. ومن أهم تلك الشركات إير بي.إن.بي (AirBnB) وهي الشركة التي فاقمت من أزمة السكن بارتفاع أسعار العقارات وتسببت بالكثير من الإزعاج مما دفع بالعديد من المدن إلى الحد من نشاطها أو منعها بالكامل.
من توصيل وجبات الطعام إلى قيادة المركبات مروراً بتقاسم الركوب وعرض خدمات الرعاية المنزلية تتشابه نماذج التعامل: استغلال اليد العاملة بتحويل العمل المأجور إلى وضع المقاولة الفردية دون أي نوع من الضمان الاجتماعي أو الصحي أو حد أدنى للأجور أو تمثيل نقابي. ثم احتلال موقع احتكاري لزيادة الأسعار وخفض عائدات العاملين وفي الوقت نفسه خفض جودة الخدمات، وهي ظاهرة عامة في نظام «المنصات» وتعرف اليوم بعبارة «القذرنة» [7].
أمام هذا الهجوم المنظم على حقوق العمال، بدأ العديد منهم بالنضال للحصول على ظروف عمل أفضل وكانت النتائج متفاوتة بين النجاح والفشل. ففي نيو يورك حصلوا على حد أدنى للأجر في الساعة وفي كالفورنيا أقر مجلس الولاية قانوناً يعتبر العمال «المؤوبرين» أجراء مع ما يقدمه هذا الوضع من راتب ثابت وضمان اجتماعي. ولكن أوبر ومنافسيها أنفقوا مبالغ كبيرة لتنظيم استفتاء عام (عُرف بالاقتراح ٢٢) يدعو إلى إلغاء هذا القانون. وتمكنت هذه الشركات من خداع الكالفورنيين الذين صوتوا لصالحها بنسبة ٥٥ ٪ مما أدى إلى إقرار العمل «المؤوبر» في ما شكل أكبر تقهقر لحقوق العمال الأميركيين منذ قانون تافت-هارتلي المعادي للنقابات العمالية في ١٩٤٧.
ومع ان أوبر شكلت الرافعة لهذا التراجع في الحقوق إلا انه لم ينتج كلياً من إرادة القيمين على الشركة إذ دخلت فيه عوامل متأثرة بالقوى الاقتصادية والتاريخية المسيطرة على الوضع. والحال، انه عندما سُئل كالانيك عن مليارات الدولارات التي ابتلعتها أوبر أجاب بصراحة: «إذا لم نفعل ذلك لكان وضع الشركة ضعيفاً أمام المنافسة خاصة عندما ينتشر نشاطنا حول العالم (...) لم يكن ذلك أسلوبي في بناء الشركة ولكن من الضروري التصرف هكذا عندما تكون كل هذه المبالغ المالية متوافرة». بكلام آخر، إذا لم تعمد أوبر إلى لمّ هذه المبالغ لكانت أخذتها شركة ليفت أو أي منافس آخر.
بعد الخروج من أزمة الرهون العقارية وحتى سنة ٢٠٢٢، أنتجت أسعار الفائدة المنخفضة فائضاً في السيولة في القطاع المالي وفي الوقت نفسه انخفاضاً في عائدات الاستثمارات التقليدية. فشكل وادي السيليكون أفضل الأهداف لاستثمار الرساميل المتاحة والحصول على عائدات مغرية. ولتأمين تلك العائدات لم يكن أمام المستثمرين إلا خيارين: استغلال اليد العاملة أو زيادة الإنتاجية من خلال الابتكارات. ولكن الخيار الثاني لم يعد متاحاً في الوادي منذ زمن.
في ثمانينات القرن الماضي صاغ الاقتصادي الليبرالي روبرت سولو نظرية عرفت بمفارقة سولو تقول باختصار «نرى الكمبيوترات الشخصية في كل مكان إلا في أرقام الإنتاجية». فلم تنتج عن ثورة المعلوماتية والثورة الرقمية معدلات النمو التي سُجلت بعد الحرب العالمية الثانية ولا ارتفاع الإنتاجية الذي ولدته الثورات الصناعية السابقة. ومنذ ذلك الوقت، لم يكن أداء رأسمالية المنصات التي اعتمدتها غوغل وفيسبوك وأمازون وأوبر ومثيلاتها أفضل. فهي عبارة عن آلة استخراج الريع على حساب باقي الاقتصاد في لعبة صفرية يصفها الخبراء الاقتصاديون بالإقطاعية التكنولوجية. وان كان ذلك صحيحاً أم لا إلا إنها تترافق مع تطرف متدرج لوادي السيليكون يدعم الحركات الرجعية واللا ديموقراطية مع استبدال رواد القطاع الأصليين بمافيا من الدجالين والمحتالين. ويأتي هذا الانزلاق نحو رأسمالية التواطؤ والفاشية التكنولوجية في خضم تصاعد الذكاء الاصطناعي مما ينبئ بالأسوأ في مجال تمركز السلطة وتقييد الحريات الشخصية.
[1] يبدو لأول وهلة ان وادي السيليكون لا يحتوي إلا على كاراجات، فكل من يريد تأسيس شركة يبدأ في واحد منها
[2] Napster وهو البرنامج الذي فتح الطريق لظهور برامج القراصنة بايرات بي. وبت تورنت ...
[3] أي إمكان مشاركة الزائر في النشر على المواقع
[4] بما في ذلك بواسطة الأجهزة المتصلة مثل أليكسا وأجهزة الاتصال الداخلي «رينغ» التي تسوقها أمازون وأجهزة التلفزيون الذكية الخ
[5] ستامبل أبون وهي نوع من محرك البحث العشوائي
[6] أي الرواتب المرتفعة لكوادرها والأسهم المهداة لأعضاء مجلس إدارتها ومكاتب فخمة في العديد من المدن ومصاريف أبحاث وتطوير في مشاريع غير منتجة مثل السيارة دون سائق أو السيارة الطائرة
[7] enshitification، لم أجد أفضل من هذه الكلمة لتجنب استخدام كلمة بذيئة وهي تدل باختصار على رفع سعر خدمة معينة مع خفض جودتها
